هاشم معروف الحسني
102
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
ولا بد مع ذلك بأن يأتي المتأخر بتشريعات وتوصيات جديدة حسب مقتضيات الزمن وتطورات الحياة والمصالح التي لا يحيط بها في الغالب إلا اللّه . ولقد بعث اللّه عيسى بن مريم إلى جميع الناس وقبل ان يرفعه إليه غالى فيه اتباعه أسوأ أنواع المغالاة وعبدوه وأمه من دون اللّه . وقد حكى اللّه ذلك بقوله : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ( المائدة 116 ) وكان الجواب من عيسى ( ع ) : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ . ووقع منهم مع هذا الغلو الفاحش اختلاف شديد في طبيعته وطبيعة أمه وكيفية ولادته وتفرقوا من بعده شيعا وأحزابا يتلاعنون ويتراشقون بالسباب والتكفير والحروب الدامية طيلة قرون من الزمن . وأعلن اليعاقبة انشقاقهم عن الكنيسة في روما وظل النساطرة على ولائهم لها ، وسادت الحيرة على انسان تلك العصور وغطت بضبابها الكثيف على كل ما جاء به عيسى من مبادئ وتشريعات وحرفوا الإنجيل حسب أهوائهم ومصالحهم حتى أصبحت المسيحية لا تعني الا مجموعة من المتناقضات التي لا تقبلها العقول ولا تحدها الأفهام كما كان الحال في اليهودية قبلها ، في هذا الجو المضطرب وجد محمد بن عبد اللّه قبل نبوته وليس للمسيحية معنى معقول ومقبول يمكن لانسان كمحمد بن عبد اللّه الذي أدرك بفطرته الصافية زيف الوثنية وتناقضات النصرانية وانحرافها عن مفاهيم الرسالات ، وضلال قومه ان يرجع إليه ويتخذه دينا من بين تلك الديانات المنتشرة هنا وهناك ولكل منها أنصار وأتباع يكفر بعضهم بعضا . في هذا الجو وجد محمد بن عبد اللّه فكان ينظر إلى المسيحية فلا يرى فيها الا ما يثير الدهشة والاستغراب ويرى ضلال قومه في عبادتهم الأصنام والأحجار فيعود إلى تأملاته بعيدا عن انسان عصره يعبد إله الأرض والسماء